يرى جوزيف مسعد، أستاذ السياسة العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، أن خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في ميونيخ لم يكتفِ بإعادة تأكيد التحالف الأطلسي، بل أعلن رؤية أيديولوجية تعتبر الولايات المتحدة جمهورية مسيحية أوروبية بيضاء، وتضع غير البيض داخل أميركا وخارجها في موقع التهديد الحضاري.

 

ويؤكد مسعد أن روبيو ربط هوية بلاده بجذور أوروبية مسيحية خالصة، وأقصى ملايين الأميركيين الذين لا ينحدرون من أصول أوروبية بيضاء.

 

وينشر ميدل إيست آي هذا التحليل ضمن تغطيته للشأن الأميركي، حيث يسلّط الضوء على مضامين خطاب روبيو في مؤتمر الأمن بميونيخ. ويشير الموقع إلى أن الوزير الأميركي شدد على أن الولايات المتحدة “طفل أوروبا”، وأنها وريثة حضارة واحدة مع القارة العجوز، داعيًا إلى تحالف يقوم على الفخر بالإرث المشترك والدفاع عنه في مواجهة ما وصفه بالأخطار المحدقة.

 

جذور التفوق الأبيض في التاريخ الأميركي

 

يستحضر الكاتب تاريخ القوانين الأميركية الأولى التي حصرت المواطنة بالمهاجرين البيض، ويذكّر بأن قانون التجنيس لعام 1790 قصر منح الجنسية على “الأشخاص البيض الأحرار”. ويبرز مسعد مفارقة تجاهل روبيو لحقيقة أن جماعات أوروبية مثل الإيطاليين والإيرلنديين والسلاف عانت في فترات سابقة من تصنيفات تضعها خارج البياض الكامل في المجتمع الأميركي، رغم احتفاء الوزير بأصوله الإيطالية والإسبانية.

 

ويرى المقال أن خطاب روبيو يعيد إنتاج تقاليد تفوق مسيحي أبيض رسختها الولايات المتحدة وأوروبا عبر قرون. ويؤكد أن دعوته للسيطرة الصارمة على الحدود، واعتبار الهجرة من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تهديدًا للنسيج الحضاري، تنسجم مع إرث طويل من السياسات الإقصائية. ويعرض الكاتب هذه التصريحات باعتبارها امتدادًا لخطاب قومي يرى في حماية “الحضارة الغربية” مبررًا لإقصاء الآخر.

 

ويستدعي النص محطات من التاريخ الأوروبي، حيث دعا سياسيون بريطانيون في القرن التاسع عشر إلى تحالف “تيوتوني” بين بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة على أساس التفوق العرقي المشترك. ويشير إلى أن أدولف هتلر نفسه طرح فكرة تقارب بين “إمبراطوريات بيضاء” ذات أصول جرمانية. ومن خلال هذه المقارنات، يضع مسعد خطاب روبيو في سياق تاريخي أوسع يربط بين القومية العرقية والتحالفات الإمبراطورية.

 

تمجيد الاستعمار وإحياء التحالف الأطلسي

 

يؤكد الكاتب أن روبيو مجّد التوسع الغربي عبر القرون، واعتبره مصدر فخر لا عبئًا أخلاقيًا. ويقتبس من خطابه إشادته بالمستكشفين والجنود والمبشرين الذين انطلقوا من أوروبا نحو القارات الأخرى، وبنوا إمبراطوريات واسعة. ويرى مسعد أن هذا الطرح يتجاهل العنف الاستعماري الذي طال شعوبًا غير بيضاء، ويحوّل تاريخ السيطرة إلى قصة بطولة حضارية.

 

ويبرز المقال إصرار روبيو على أن التحالف العابر للأطلسي يقوم على إرث فريد لا بد من حمايته، مع دعوة أوروبا إلى استعادة روحها “الخلاقة” التي أطلقت السفن إلى البحار البعيدة. ويقرأ الكاتب هذا الخطاب بوصفه دفاعًا عن استعمار استيطاني أبيض تشترك فيه أوروبا والولايات المتحدة، ويعتبره محاولة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية على أساس هوية دينية وعرقية واضحة.

 

البعد الديني والتوسع الإنجيلي

 

يربط مسعد بين خطاب روبيو وتصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي عبّر في مقابلة إعلامية عن دعمه لسيطرة إسرائيل الكاملة على أراضٍ في الشرق الأوسط استنادًا إلى قراءة دينية توراتية. ويشير الكاتب إلى أن دولًا عربية وإسلامية عدة أدانت تلك التصريحات ووصفتها بالمتطرفة والمخالفة للقانون الدولي.

 

ويرى المقال أن هذا التلاقي بين القومية المسيحية البيضاء والتفسير الديني التوسعي يعزز توجهًا يعتبر غير البيض، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، قوى تهدد الحضارة الغربية. وينقل عن روبيو وصفه لهذه القوى بأنها تسعى إلى “محو الحضارة”، مقابل تصوير خصوم إسرائيل بوصفهم “برابرة”.

 

ويخلص مسعد إلى أن خطاب روبيو لا يقتصر على لغة سياسية عابرة، بل يعكس رؤية أيديولوجية متكاملة تعيد الاعتبار لفكرة التفوق المسيحي الأبيض، وتربط بين الهوية القومية والسياسة الخارجية. ويطرح تساؤلًا مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه التصريحات تمثل مبالغة خطابية أم توجهًا فعليًا سيعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم، في ظل تصاعد نزعات قومية ودينية داخل الغرب.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/marco-rubio-state-department-declares-war-non-white-peoples-worldwide